ابن كثير

95

السيرة النبوية

لان إجازة الحجيج كانت إلى صوفة ، وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر ، فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا ، ولا ينفرون من منى حتى ينفروا ، فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا . فورثهم ذلك بالقعدد ( 1 ) بنو سعد بن زيد مناة بن تميم ، فكان أولهم صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الاسلام ، وهو كرب بن صفوان . وكانت الإجازة من المزدلفة في عدوان ، حتى قام الاسلام على آخرهم وهو أبو سيارة عميلة بن الأعزل ، وقيل اسمه العاص واسم الأعزل خالد ، وكان يجيز بالناس على أتان له عوراء ، مكث يدفع عليها في الموقف أربعين سنة ، وهو أول من جعل الدية مائة ، وأول من كان يقول : أشرق ثبير كيما نغير . حكاه السهيلي . وكان عامر بن الظرب العدواني لا يكون بين العرب نائرة إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضى به . فتحاكموا إليه مرة في ميراث خنثى ، فبات ليلته ساهرا يتروى ماذا يحكم به ، فرأته جارية له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سخيلة ، فقالت له : مالك لا أبالك الليلة ساهرا ؟ فذكر لها ما هو مفكر فيه ، وقال لعلها يكون عندها في ذلك شئ فقالت : أتبع القضاء المبال . فقال : فرجتها والله يا سخيلة . وحكم بذلك . قال السهيلي : وهذا الحكم من باب الاستدلال بالامارات والعلامات ، وله أصل في الشرع ، قال الله تعالى : ( وجاءوا على قميصه بدم كذب ( 2 ) ) حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه ، وقال تعالى : ( إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ( 3 ) ) وفي الحديث : " أنظروها ، فإن جاءت به أورق جعدا جماليا فهو للذي رميت به " .

--> ( 1 ) القعدد : قرب النسب . ( 2 ) سورة يوسف 18 . ( 3 ) سورة يوسف 26 ، 27